عبد الرحمن بن ناصر السعدي

621

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * يخبر تعالى أن المكذبين من قريش ، وأهل مكة ، يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم : * ( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ) * بالقتل والأسر ، ونهب الأموال . فإن الناس قد عادوك وخالفوك ، فلو تابعناك ، لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم ، ولم يكن لنا بهم طاقة . وهذا الكلام منهم ، يدل على سوء الظن بالله تعالى ، وأنه لا ينصر دينه ، ولا يعلي كلمته . بل يمكن الناس من أهل دينه ، فيسومونهم سواء العذاب ، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق . قال الله مبينا لهم حالة اختصهم بها دون الناس ، فقال : * ( أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ) * أي : أو لم نجعلهم متمكنين ، ممكنين في حرم ، يكثر المنتابون إليه ، ويقصده الزائرون ، قد احترمه القريب والبعيد ، فلا يهاج أهله ، ولا ينتقصون بقليل ولا كثير . والحال أن كل ما حولهم من الأماكن ، قد حف بها الخوف من كل جانب ، وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين ، فليحمدوا ربهم على هذا الأمن التام ، الذي ليس فيه غيرهم ، وعلى الرزق الكثير ، الذي يجيء إليهم من كل مكان ، من الثمرات ، والأطعمة ، والبضائع ، ما به يرتزقون ويتوسعون . وليتبعوا هذا الرسول الكريم ، ليتم لهم الأمن والرغد . وإياهم وتكذيبه ، والبطر بنعمته ، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا ، وبعد عزهم ذلا ، وبعد غناهم فقرا ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم ، فقال : * ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ) * أي : فخرت بها ، وألهتها ، واشتغلت بها عن الإيمان بالرسل ، فأهلكهم الله ، وأزال عنهم النعمة ، وأحل بهم النقمة . * ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) * لتوالي الهلاك والتلف عليهم ، وإيحاشها من بعدهم . * ( وكنا نحن الوارثين ) * للعباد ، نميتهم ، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من النعم ، ثم نعيدهم إلينا فنجازيهم بأعمالهم . ومن حكمته ورحمته ، أن لا يعذب الأمم ، بمجرد كفرهم ، قبل إقامة الحجة عليهم ، بإرسال الرسل إليهم ، ولهذا قال : * ( وما كان ربك مهلك القرى ) * أي بكفرهم وظلمهم * ( حتى يبعث في أمها ) * أي : في القرية والمدينة التي إليها يرجعون ، ونحوها يترددون ، وكل ما حولها ينتجعها ، ولا تخفى عليهم أخبارها . * ( رسولا يتلو عليهم آياتنا ) * الدالة على صحة ما جاء به ، وصدق ما دعاهم إليه . فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم . بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة ، والأطراف النائية ، فإن ذلك ، مظنة الخفاء والجفاء ، والمدن الأمهات ، مظنة الظهور والانتشار ، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من غيرهم . * ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * بالكفر والمعاصي ، مستحقون للعقوبة . والحاصل ، أن الله لا يعذب أحدا إلا بظلمه ، وإقامة الحجة عليه . * ( ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) * هذا حض منه تعالى لعباده ، على الزهد في الدنيا ، وعدم الاغترار بها ، وعلى الرغبة في الأخرى ، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه . ويخبرهم أن جميع ما أوتيه الخلق ، من الذهب ، والفضة ، والحيوانات والأمتعة ، والنساء ، والبنين ، والمآكل ، والمشارب ، واللذات ، كلها متاع الحياة الدنيا وزينتها ، أي : يتمتع به وقتا قصيرا ، متاعا قاصرا ، محشوا بالمنغصات ، ممزوجا بالغصص ، ويتزين به زمانا يسيرا ، للفخر والرياء ، ثم يزول ذلك سريعا ، وينقضي جميعا ، ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم ، والخيبة والحرمان . * ( وما عند الله ) * من النعيم المقيم ، والعيش السليم * ( خير وأبقى ) * أي : أفضل في وصفه وكميته ، وهو دائم أبدا ، ومستمر سرمدا . * ( أفلا تعقلون ) * أي : أفلا تكون لكم عقول ، بها تزنون أي الأمرين أولى بالإيثار ، وأي الدارين أحق للعمل لها . فدل ذلك أنه بحسب عقل العبد ، يؤثر الأخرى على الدنيا ، وأنه ما آثر أحد الدنيا ، إلا لنقص في عقله . ولهذا نبه العقول على الموازنة ، بين عاقبة مؤثر الدنيا ، ومؤثر الآخرة فقال : * ( أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ) * أي : هل يستوي مؤمن ، ساع للآخرة سعيها قد عمل على وعد ربه له ، بالثواب الحسن ، الذي هو الجنة ، وما فيها من النعيم العظيم ، فهو لاقيه ، من